أبطلت قاضية فيدرالية أمريكية، الجمعة، سياسة لإدارة الرئيس دونالد ترامب علقت بموجبها إصدار تأشيرات الهجرة لمواطني 75 دولة، من بينها مصر والأردن، معتبرة أن السياسة تخالف القانون وتتجاوز الصلاحيات القانونية الممنوحة لوزير الخارجية ماركو روبيو.
ويمثل الحكم انتكاسة جديدة لسياسات إدارة ترامب المتشددة تجاه الهجرة، بعدما خلصت المحكمة إلى أن تعليق معالجة التأشيرات أدى عمليًا إلى رفض طلبات على أساس جنسية المتقدم، بدلًا من إجراء تقييم فردي لكل حالة وفق المعايير المنصوص عليها في قانون الهجرة الأمريكي.
تعليق تأشيرات الهجرة لمواطني 75 دولة
بدأت القضية بعدما أوقفت وزارة الخارجية الأمريكية، في يناير الماضي، إصدار تأشيرات الهجرة لمواطني 75 دولة، تمثل القائمة نحو 40% من دول العالم.
وشملت الدول المتأثرة بالقرار مصر والأردن والبرازيل وكولومبيا وهايتي والصومال وروسيا وجورجيا، إلى جانب عشرات الدول في إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا ومنطقة الكاريبي والبلقان.
وبررت إدارة ترامب القرار برغبتها في منع دخول مهاجرين قد يصبحون معتمدين على برامج الرعاية الاجتماعية أو المساعدات والمزايا العامة بعد انتقالهم إلى الولايات المتحدة.
واعتمدت وزارة الخارجية في إعداد قائمة الدول على بيانات مرتبطة بمعدلات حصول الأسر المهاجرة على أنواع من المساعدات العامة، واستهدفت بشكل خاص الدول التي تتجاوز فيها هذه النسبة 30%.
المحكمة تعترض على طريقة تطبيق القرار
نظرت القاضية جانيت فارغاس، من المحكمة الجزئية الفيدرالية في مانهاتن، في السياسة وطريقة تنفيذها داخل السفارات والقنصليات الأمريكية.
وخلصت المحكمة إلى أن التعليمات الموجهة للموظفين القنصليين أدت عمليًا إلى نتيجة محددة مسبقًا بالنسبة للمتقدمين القادمين من الدول المشمولة، حتى عندما يستطيع مقدم الطلب إثبات قدرته المالية على إعالة نفسه وعدم حاجته إلى الاعتماد على الدعم الحكومي.
وبموجب قانون الهجرة الأمريكي، يمكن رفض طلب المهاجر إذا تبين أنه مرشح لأن يصبح عبئًا على المال العام، لكن الوصول إلى هذا القرار يتطلب تقييمًا فرديًا لمجموعة من العوامل المتعلقة بالمتقدم.
وتشمل هذه العوامل الوضع المالي والعمر والحالة الصحية والمهارات والقدرة على العمل والظروف العائلية وغيرها من المعلومات التي تساعد الموظف القنصلي على تحديد الوضع الفعلي لكل شخص.
ورأت المحكمة أن استبدال هذا التقييم الفردي بقرار يستند بصورة أساسية إلى بلد المتقدم يتعارض مع الإطار القانوني المنظم لإصدار تأشيرات الهجرة.
برقية من روبيو إلى البعثات الأمريكية
وكشفت وثائق القضية عن برقية أرسلها وزير الخارجية ماركو روبيو إلى البعثات الدبلوماسية والقنصلية الأمريكية بشأن تنفيذ السياسة الجديدة.
وتضمنت التعليمات رفض طلبات المتقدمين المشمولين بالسياسة حتى في بعض الحالات التي يقدم فيها الشخص أدلة إضافية لإثبات قدرته على تجاوز سبب الرفض المتعلق باحتمال تحوله إلى عبء على المال العام.
واعتبرت المحكمة أن هذه الآلية قيدت قدرة الموظفين القنصليين على تقييم كل ملف بصورة مستقلة، وجعلت جنسية المتقدم عنصرًا حاسمًا في النتيجة بدلًا من ظروفه الفردية.
تعارض مع قانون الهجرة الأمريكي
استند الحكم إلى عدة جوانب قانونية، من بينها قانون الهجرة والجنسية الأمريكي والتعديلات التي أقرها الكونغرس عام 1965 بشأن التمييز على أساس الجنسية عند إصدار تأشيرات الهجرة.
كما تناولت المحكمة الحدود القانونية لصلاحيات وزير الخارجية ومدى قدرته على التدخل في القرارات الفردية التي يتخذها الموظفون القنصليون بشأن طلبات التأشيرات.
وبناء على ذلك، أمرت المحكمة بإبطال السياسة وعدم استمرار رفض طلبات التأشيرات استنادًا إليها وحدها.
ماذا يحدث لطلبات التأشيرات التي سبق رفضها؟
لا يعني الحكم أن جميع الأشخاص الذين رفضت طلباتهم خلال فترة تطبيق السياسة سيحصلون تلقائيًا على تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة.
فإذا كان طلب التأشيرة قد رُفض استنادًا حصريًا إلى السياسة التي أبطلتها المحكمة، فإن هذا الأساس لم يعد صالحًا للاستمرار في رفض الطلب وفق الحكم.
أما إذا كان المتقدم قد رُفض أيضًا لأسباب قانونية مستقلة أخرى، فستظل أسباب الرفض الأخرى قائمة.
ولهذا لا يزال من غير الواضح عدد الملفات التي ستتأثر بصورة مباشرة بالحكم أو عدد الطلبات التي قد تحتاج السلطات الأمريكية إلى إعادة النظر فيها.
مصر والأردن ضمن قائمة الـ75 دولة
تكتسب القضية أهمية خاصة في المنطقة العربية بسبب وجود مصر والأردن وعدد من دول الشرق الأوسط ضمن قائمة الدول التي تأثرت بتعليق إصدار تأشيرات الهجرة.
وكانت غالبية الدول المدرجة على القائمة من خارج أوروبا، وتوزعت جغرافيًا بين الشرق الأوسط وإفريقيا جنوب الصحراء ومنطقة الكاريبي والبلقان وآسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا.
وتضمنت القائمة أيضًا عددًا من الدول التي تربطها علاقات وشراكات وثيقة بالولايات المتحدة، الأمر الذي أثار اعتراضات على استخدام مؤشرات مرتبطة بالجنسية أو بلد المنشأ كأساس واسع للتعامل مع طلبات الهجرة.
اقرأ أيضاً
الحكم لا يتعلق بتأشيرات السياحة أو الدراسة
ومن أبرز النقاط التي ينبغي توضيحها أن السياسة الملغاة لم تكن حظرًا شاملًا لجميع أنواع التأشيرات الأمريكية.
فالحظر كان متعلقًا بتأشيرات الهجرة التي تسمح للأشخاص بالانتقال إلى الولايات المتحدة بغرض الإقامة الدائمة، ومن بينها حالات لم الشمل العائلي وبعض فئات الهجرة المرتبطة بالعمل.
أما تأشيرات غير المهاجرين، مثل تأشيرات السياحة والأعمال والدراسة، فلم تكن مشمولة بهذا التعليق.
وبالتالي، فإن الحكم الجديد لا يمثل إلغاء حظر على تأشيرات السياحة للمصريين أو مواطني الدول الـ75، لأنها لم تكن جزءًا من السياسة محل النزاع من الأساس.
أمريكيون يقاضون الإدارة بسبب لم شمل أسرهم
شارك في الدعوى ستة مواطنين أمريكيين قالوا إن السياسة أثرت بصورة مباشرة على قدرتهم على لم شمل أسرهم داخل الولايات المتحدة.
وكان أقارب هؤلاء المواطنين في غانا وجامايكا وغواتيمالا وإثيوبيا يسعون للحصول على تأشيرات هجرة، لكن تعليق المعالجة حال دون حصولهم عليها.
وأصبحت القضية بذلك لا تتعلق فقط بالأجانب الراغبين في الهجرة، وإنما أيضًا بحقوق مواطنين أمريكيين يسعون إلى استكمال إجراءات قانونية لجلب أفراد من أسرهم إلى الولايات المتحدة.
نقطة قانونية لصالح إدارة ترامب
ورغم إبطال الجزء الأساسي من السياسة، حققت إدارة ترامب نجاحًا في إحدى النقاط القانونية التي كانت محل خلاف أمام المحكمة.
إذ أيدت القاضية موقف الإدارة بأن السياسة لم تكن من نوع القواعد التنظيمية الرسمية التي يشترط القانون طرحها مسبقًا للنقاش العام وتلقي التعليقات قبل دخولها حيز التنفيذ.
لكن هذا الجانب لم يمنع المحكمة من إبطال السياسة نفسها استنادًا إلى أسباب قانونية أخرى تتعلق بمضمونها وحدود الصلاحيات المستخدمة في تطبيقها.
إدارة ترامب استندت إلى حكم حظر السفر السابق
خلال نظر القضية، استند محامو الإدارة الأمريكية إلى قرار المحكمة العليا الصادر عام 2018، والذي أيد نسخة من حظر السفر الذي فرضه ترامب خلال ولايته الرئاسية الأولى وشمل مواطني عدد من الدول، كان معظمها من الدول ذات الأغلبية المسلمة.
لكن المحكمة ميزت بين القضيتين.
فالقضية السابقة كانت تتعلق بسلطة الرئيس في تحديد من يمكن السماح له بدخول الأراضي الأمريكية، بينما تتمحور القضية الحالية حول مسألة مختلفة تتعلق بسلطة الحكومة في إصدار تأشيرة من الأساس وكيفية تقييم طلبات المتقدمين.
واعتبرت المحكمة أن الاختلاف بين المسألتين يمنع استخدام الحكم السابق باعتباره أساسًا كافيًا لتبرير سياسة تعليق تأشيرات الهجرة لمواطني الدول الـ75.
الإدارة تستطيع استئناف الحكم
الحكم الصادر لا يعني بالضرورة انتهاء النزاع القانوني بصورة نهائية، إذ لا يزال من حق إدارة ترامب الطعن عليه أمام محكمة استئناف فيدرالية.
ومنحت القاضية جانيت فارغاس الطرفين مهلة حتى 11 سبتمبر لتقديم مقترحاتهما بشأن الطريقة المناسبة لمعالجة القضايا والنقاط المتبقية بعد صدور الحكم.
وقد يؤدي أي استئناف من جانب الإدارة إلى جولة قضائية جديدة بشأن حدود صلاحيات وزارة الخارجية في التعامل مع تأشيرات الهجرة، ومدى قانونية استخدام بلد المنشأ أو الجنسية ضمن سياسات واسعة لرفض الطلبات.
ماذا يعني القرار للمصريين؟
بالنسبة للمواطنين المصريين، فإن الأثر المباشر للحكم يتركز على المتقدمين للحصول على تأشيرات الهجرة الأمريكية الذين تأثرت ملفاتهم بالسياسة التي شملت مصر ضمن قائمة الدول الـ75.
ولا يعني القرار الموافقة التلقائية على طلبات المصريين أو إعفاءهم من شروط الهجرة الأمريكية، وإنما يلغي السياسة العامة التي كانت تمنع إصدار التأشيرات استنادًا إلى الأساس محل النزاع.
وسيظل كل متقدم مطالبًا باستيفاء شروط فئة الهجرة التي يتقدم من خلالها، والخضوع للفحوص الأمنية والطبية والمالية والقنصلية وغيرها من المتطلبات القانونية المعتادة.
أما المصريون المتقدمون للحصول على تأشيرات السياحة أو الدراسة أو غيرها من تأشيرات الإقامة المؤقتة، فلا يتعلق الحكم بهذه الفئات، لأنها لم تكن مشمولة أصلًا بالحظر الذي نظرت فيه المحكمة.
وتترقب القضية الآن الخطوة التالية من إدارة ترامب، سواء بالامتثال للحكم وإعادة التعامل مع الملفات المتأثرة وفق الإجراءات المعتادة أو اللجوء إلى الاستئناف لمحاولة إلغاء القرار القضائي.


































