تواجه ألمانيا نقصا متزايدا في أعداد العاملين بالقطاع العام، بعدما كشف الاتحاد الألماني للموظفين الحكوميين والنقابات "dbb" أن الدولة تحتاج حاليا إلى نحو 631 ألف موظف إضافي حتى تتمكن المؤسسات العامة من أداء المهام الموكلة إليها بصورة مناسبة.
ويمثل الرقم مستوى قياسيا جديدا لنقص الموظفين في القطاع العام الألماني، وسط ضغوط متزايدة على قطاعات حيوية تشمل الرعاية الصحية ورعاية كبار السن والمدارس والإدارات المحلية ودور الحضانة، إلى جانب الشرطة والقوات المسلحة.
وتأتي الأرقام الجديدة استنادا إلى الاستطلاع السنوي الذي يجريه الاتحاد بين نقاباته الأعضاء البالغ عددها 41 نقابة، لرصد احتياجات القوى العاملة في مؤسسات الدولة.
من 600 ألف إلى 631 ألف موظف
وتكشف البيانات عن تفاقم أزمة نقص العمالة في القطاع العام خلال فترة قصيرة.
ففي بداية عام 2026، كان الاتحاد يقدر النقص بنحو 600 ألف موظف، بزيادة تقدر بنحو 30 ألف وظيفة بدوام كامل مقارنة بالعام السابق، قبل أن ترتفع التقديرات الجديدة إلى 631 ألف موظف في أغسطس.
ويعكس ذلك زيادة بنحو 31 ألف موظف مقارنة بالتقدير السابق البالغ 600 ألف، أي ما يعادل ارتفاعا بنحو 5.2%.
الرعاية الصحية والمدارس في صدارة العجز
تتصدر قطاعات الرعاية الصحية والاجتماعية قائمة المجالات الأكثر احتياجا إلى موظفين إضافيين.
وبحسب بيانات الاتحاد، تحتاج خدمات رعاية المرضى وكبار السن إلى نحو 125.2 ألف موظف إضافي، بينما يبلغ النقص المقدر في المدارس نحو 120 ألف موظف.
وتحتاج الإدارات البلدية إلى نحو 112 ألف موظف، فيما يصل الاحتياج في دور الحضانة إلى نحو 97 ألف موظف.
كما يقدر الاتحاد الحاجة إلى نحو 92 ألف موظف إضافي في الشرطة والقوات المسلحة الألمانية مجتمعتين، في ظل تغير البيئة الأمنية وزيادة المهام المطلوبة من الأجهزة المختصة.
لماذا تعاني ألمانيا من نقص موظفي القطاع العام؟
يربط رئيس الاتحاد فولكر جاير تفاقم الأزمة بعدة عوامل، في مقدمتها التحول الديموغرافي وخروج أعداد كبيرة من الموظفين إلى التقاعد دون تعويض جميع الوظائف الشاغرة بموظفين جدد.
وأوضح الاتحاد أن الأجيال ذات الكثافة السكانية المرتفعة تدخل حاليا مرحلة التقاعد، مشيرا إلى أن نحو 2% من القوى العاملة تغادر سنويا لهذا السبب، بينما لا يجري شغل جميع الوظائف التي تصبح شاغرة.
وتزداد المشكلة تعقيدا مع ارتفاع حجم المهام التي يتعين على المؤسسات العامة تنفيذها، بالتزامن مع نقص العمالة المتخصصة وتراكم المعاملات والملفات داخل عدد من الجهات الحكومية.
اقرأ أيضاً
1.4 مليون موظف قد يغادرون خلال 10 سنوات
ولا تقتصر المخاوف على العجز الحالي.
فقد حذر الاتحاد في وقت سابق من أن نحو 1.4 مليون شخص قد يغادرون الخدمة العامة بسبب بلوغ سن التقاعد خلال السنوات العشر المقبلة، ما يضع ألمانيا أمام تحد طويل الأجل في الحفاظ على قدرة المؤسسات الحكومية على تقديم خدماتها.
ويعني ذلك أن عدم تعويض الوظائف التي يخليها المتقاعدون قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بصورة أكبر، خاصة في القطاعات التي تعاني بالفعل صعوبة في استقطاب العمالة المؤهلة.
الوضع الأمني يزيد الطلب على الشرطة
يمثل تغير الوضع الأمني عاملا إضافيا في زيادة احتياجات القوى العاملة.
وأشار جاير إلى أن المهام الأمنية الجديدة تتطلب أعدادا أكبر من أفراد الشرطة، وضرب مثالا بمراقبة مناطق حظر الأسلحة، التي تحتاج إلى موارد بشرية كبيرة لتنفيذها على أرض الواقع.
وبالتالي لا يرتبط العجز فقط بإحلال موظفين جدد محل المتقاعدين، وإنما أيضا بظهور مسؤوليات جديدة تتطلب زيادة إجمالي أعداد العاملين.
هل يمكن للذكاء الاصطناعي حل الأزمة؟
يرى الاتحاد أن الرقمنة والذكاء الاصطناعي يمكن أن يلعبا دورا مهما في رفع كفاءة الإدارة العامة وتقليل الضغط الناتج عن نقص الموظفين.
وقال الاتحاد إنه يجري محادثات مع وزير الرقمنة الألماني كارستن فيلدبرجر بشأن استخدام التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي لتحسين كفاءة المؤسسات الحكومية.
لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الذكاء الاصطناعي ليس بديلا كاملا عن القوى البشرية. وضرب مثالا بالإدارة المالية، التي تعاني بحسب الاتحاد نقصا بنحو 50 ألف موظف، موضحا أن التكنولوجيا يمكن أن تسهل عمل مفتشي الضرائب، لكنها لا تستطيع أن تحل محلهم بالكامل.
تحد أمام قدرة الدولة على تقديم الخدمات
تثير أزمة العمالة مخاوف تتجاوز سوق الوظائف، إذ ترتبط بصورة مباشرة بقدرة الدولة على تقديم الخدمات العامة للمواطنين.
وكان استطلاع سابق أجرته مؤسسة "forsa" لصالح الاتحاد قد أظهر تراجعا في ثقة المواطنين بقدرة الدولة على تنفيذ مهامها، في وقت يرى فيه الاتحاد أن استمرار نقص الموظفين وتزايد الأعباء قد يزيد الضغوط على المدارس والمستشفيات والإدارات والشرطة وغيرها من المؤسسات.
وطالب الاتحاد أصحاب العمل في القطاع العام بالتحرك لمواجهة الأزمة، من خلال مراجعة المهام الحكومية، وتسريع الرقمنة، وتوفير أعداد موظفين تتناسب مع حجم المسؤوليات، إلى جانب تقديم ظروف عمل أكثر قدرة على المنافسة في سوق التوظيف الألماني


































