يشهد السلوك المالي لأبناء الجيل زد في الولايات المتحدة تحولا لافتا، مع توجه متزايد نحو الاستثمار في الأسهم وصناديق المؤشرات وحسابات التقاعد والمدخرات مرتفعة العائد، في وقت أصبح فيه امتلاك منزل أكثر صعوبة بسبب ارتفاع أسعار العقارات وتكاليف التمويل.
ويعكس هذا الاتجاه تغيرا في النموذج التقليدي لبناء الثروة في المجتمع الأمريكي، والذي اعتمد لعقود على شراء المنزل في سن مبكرة نسبيا، ثم سداد أقساط الرهن العقاري تدريجيا وتكوين ثروة من خلال ارتفاع قيمة العقار وزيادة حقوق الملكية.
لكن بالنسبة لعدد متزايد من الشباب، لم يعد شراء المنزل الخطوة المالية الأولى، بل تحول إلى هدف طويل الأجل، بينما أصبحت الأسواق المالية وسيلة أكثر سهولة ومرونة للبدء في تكوين الثروة.
شراء المنزل أصبح أصعب من جيل الآباء
تعد أسعار العقارات المرتفعة أحد أبرز العوامل التي تدفع الشباب الأمريكي إلى إعادة التفكير في أولوياتهم المالية.
وأظهر استطلاع لمركز بيو للأبحاث نشر في يونيو الماضي أن 89% من البالغين دون سن الأربعين يرون أن شراء منزل أصبح أكثر صعوبة بالنسبة للشباب حاليا مقارنة بما واجهه جيل آبائهم.
كما أظهر الاستطلاع أن الشباب أقل ميلا من الفئات الأكبر سنا إلى اعتبار شراء المنزل استثمارا جيدا جدا، في مؤشر على تغير النظرة إلى العقار باعتباره الطريق الرئيسي لبناء الثروة.
ولا يعني ذلك أن أبناء الجيل زد تخلوا عن حلم امتلاك منزل، لكن التكلفة المرتفعة جعلت تحقيق هذا الهدف يتطلب وقتا أطول ومدخرات أكبر.
الأسهم بديل يمكن البدء فيه بمبالغ صغيرة
في المقابل، تمنح الأسواق المالية الشباب فرصة لبدء الاستثمار دون الحاجة إلى عشرات الآلاف من الدولارات كدفعة أولى لشراء عقار.
ويمكن للمستثمر الشاب البدء بمبالغ محدودة في الأسهم أو صناديق المؤشرات، ثم زيادة استثماراته تدريجيا مع نمو دخله.
كما توفر هذه الأدوات درجة أعلى من السيولة والمرونة مقارنة بالعقار، إذ يستطيع المستثمر توزيع أمواله على أكثر من أصل وتعديل استراتيجيته بمرور الوقت.
وأصبح الاستثمار المنتظم طويل الأجل جزءا متزايدا من الثقافة المالية لدى شريحة من الشباب الأمريكي، خصوصا مع سهولة الوصول إلى الأسواق عبر تطبيقات الهواتف الذكية.
الجيل زد يبدأ التفكير في التقاعد مبكرا
ومن أبرز ملامح التحول المالي لدى الجيل زد الاهتمام المبكر بحسابات التقاعد، رغم أن عقودا قد تفصل معظم أفراده عن سن التقاعد.
وبحسب تحليل لشركة فيديليتي حول سلوك الادخار للتقاعد، ارتفعت مساهمات الجيل زد بنسبة 65% على أساس سنوي، وهو معدل يزيد على ضعف وتيرة النمو المسجلة لدى جيل الألفية.
ويشير ذلك إلى أن شريحة من الشباب لا تنظر إلى التقاعد باعتباره مسألة يمكن تأجيلها إلى مراحل متقدمة من الحياة المهنية، بل كعملية تراكمية من الأفضل البدء فيها مبكرا.
وتزداد أهمية البداية المبكرة بسبب التأثير التراكمي للعوائد الاستثمارية على المدى الطويل، إذ يمنح الاستثمار في سن صغيرة الأموال فترة أطول للنمو.
تغير سوق العمل يضع المسؤولية على الأفراد
يرتبط هذا الاتجاه أيضا بالتحولات التي شهدها سوق العمل الأمريكي خلال العقود الماضية.
فقد تراجع الاعتماد على أنظمة المعاشات التقليدية التي كانت الشركات تتحمل فيها جزءا كبيرا من مسؤولية توفير دخل للموظف بعد التقاعد، مقابل انتشار خطط تعتمد بدرجة أكبر على مساهمات العامل واستثماراته الشخصية.
وأصبح الفرد بالتالي مسؤولا بصورة أكبر عن بناء موارده المالية للمستقبل، وهو ما يدفع بعض الشباب إلى الاهتمام بحسابات التقاعد والاستثمار في مراحل مبكرة من حياتهم المهنية.
المرونة المالية أولوية لجيل زد
وترى روبرتا كاتز، الباحثة في جامعة ستانفورد والمتخصصة في دراسة الجيل زد، أن المرونة تمثل إحدى القيم المهمة لهذا الجيل.
ويأتي ذلك في ظل شعور كثير من الشباب بأنهم يعيشون في بيئة اقتصادية ومهنية سريعة التغير، ما يجعل الاحتفاظ بأصول مالية متنوعة وقابلة للإدارة أكثر جاذبية من ربط جزء كبير من الثروة بعقار واحد.
ويختلف هذا التصور نسبيا عن أجيال سابقة ارتبط لديها النجاح المالي والاستقرار بدرجة كبيرة بشراء منزل وتكوين أصول عقارية.
أسعار العقارات تدفع الشباب للبحث عن بدائل
وتظهر الفجوة بوضوح عند مقارنة أسعار المنازل الحالية بما كانت عليه قبل عقدين.
ففي مدينة بيند بولاية أوريغون، على سبيل المثال، وصل متوسط سعر المنزل إلى نحو 700 ألف دولار، بزيادة تقارب 75% خلال 20 عاما.
ولا تتمثل المشكلة في سعر العقار وحده، إذ تضاف إليه تكاليف الرهن العقاري والدفعة الأولى والضرائب والتأمين والصيانة.
اقرأ أيضاً
وبالنسبة لشخص في بداية حياته المهنية، يمكن أن تجعل هذه التكاليف شراء منزل خطوة يصعب تنفيذها دون سنوات من الادخار أو ارتفاع كبير في الدخل.
امتلاك العقار لم يختف من خطط الشباب
رغم هذه التحديات، لا تشير التحولات الحالية بالضرورة إلى أن الجيل زد يرفض امتلاك العقارات.
بالنسبة لكثيرين، لا يزال المنزل هدفا ماليا وشخصيا مهما، لكنه لم يعد بالضرورة الخطوة الأولى في طريق بناء الثروة.
وبدلا من الاحتفاظ بالأموال لسنوات في انتظار الوصول إلى الدفعة الأولى المطلوبة، يفضل بعض الشباب استثمار جزء من مدخراتهم في أدوات مالية يمكن الدخول إليها برؤوس أموال أقل.
وبذلك يتحول العقار من نقطة البداية إلى هدف محتمل في مرحلة لاحقة من الحياة.
تجربة شابة بدأت الاستثمار في الجامعة
ومن النماذج التي تعكس هذا الاتجاه تجربة كانا كامينغز، البالغة من العمر 26 عاما، والتي بدأت الاستثمار خلال دراستها الجامعية في عام 2020.
وبدأت كامينغز بفتح حساب تقاعد فردي من نوع Roth IRA، قبل أن تساهم لاحقا في خطة التقاعد التي يقدمها صاحب العمل، إلى جانب بناء محفظة استثمارية منفصلة وإنشاء صندوق للطوارئ.
ورغم أنها ترغب في شراء شقة مستقبلا، فإنها لا توجه مدخراتها حاليا بشكل خاص إلى شراء عقار، وإنما توزع أموالها بين مجموعة من الأدوات المالية.
وتقدم تجربتها نموذجا للأولويات الجديدة لدى بعض أبناء الجيل زد، حيث يأتي بناء قاعدة مالية متنوعة قبل الالتزام بشراء منزل.
تطبيقات الاستثمار تغير قواعد اللعبة
ساهم التطور التكنولوجي وانتشار تطبيقات الخدمات المالية في إزالة كثير من الحواجز التي كانت تفصل الأفراد عن الأسواق المالية.
فلم يعد الاستثمار يتطلب بالضرورة التعامل المباشر مع وسيط تقليدي أو امتلاك رأس مال كبير، إذ يمكن للمستخدم فتح حساب ومتابعة محفظته وشراء الأسهم وصناديق المؤشرات وإجراء تحويلات دورية باستخدام الهاتف.
كما تساعد خاصية الاستثمار التلقائي على تحويل مبلغ محدد بصورة دورية إلى الحساب الاستثماري، وهو ما يشجع على تحويل الاستثمار إلى عادة مالية منتظمة بدلا من قرار يتم اتخاذه من وقت إلى آخر.
الإنترنت المصدر الرئيسي للمعرفة المالية
لكن سهولة الاستثمار تضع الشباب أيضا أمام تحد يتعلق بجودة المعلومات التي يعتمدون عليها في اتخاذ قراراتهم.
وأظهر استطلاع لمؤسسة غالوب نشر في أغسطس الجاري أن 81% من البالغين من الجيل زد يبحثون عن إرشادات تتعلق بالتمويل الشخصي، بينما يحصل 75% منهم على معلوماتهم عبر الإنترنت.
وتعكس هذه الأرقام الدور المتزايد للمنصات الرقمية ومواقع التواصل والمحتوى المالي الإلكتروني في تشكيل القرارات الاستثمارية للشباب.
وفي الوقت نفسه، قد تحمل هذه البيئة مخاطر، خصوصا عند الاعتماد على توصيات غير متخصصة أو الانجذاب وراء اتجاهات المضاربة السريعة بدلا من بناء استراتيجية استثمار طويلة الأجل.
من الأسهم الفردية إلى صناديق المؤشرات
يبدأ بعض المستثمرين الشباب تجربتهم بشراء أسهم شركات منفردة عبر تطبيقات التداول، مستفيدين من سهولة تنفيذ الصفقات ومتابعة حركة الأسواق.
لكن مع زيادة المعرفة والخبرة، يتجه بعضهم إلى أدوات أكثر تنوعا مثل صناديق المؤشرات، إلى جانب تبني استراتيجية الاستثمار الدوري طويل الأجل.
ويساعد هذا الأسلوب على توزيع المخاطر على مجموعة أكبر من الشركات والأصول، بدلا من ربط أداء المحفظة بعدد محدود من الأسهم.
مفهوم جديد لبناء الثروة
يكشف الاتجاه المتنامي لدى الجيل زد عن تحول أوسع في تعريف النجاح المالي.
فالنموذج التقليدي الذي يبدأ بوظيفة مستقرة ثم شراء منزل وسداد الرهن العقاري على مدى عقود لم يعد الطريق الوحيد الذي ينظر إليه الشباب لبناء الثروة.
ويظهر بدلا منه نموذج أكثر مرونة، يبدأ بالادخار للطوارئ، والاستثمار في الأسواق المالية، والمساهمة في حسابات التقاعد، وتنويع الأصول منذ سن مبكرة، مع تأجيل قرار شراء المنزل إلى الوقت الذي تسمح فيه الظروف المالية بذلك.
وفي ظل استمرار ارتفاع تكلفة السكن وسهولة الوصول إلى الأسواق المالية، قد يتسع هذا التحول خلال السنوات المقبلة، ليصبح امتلاك العقار واحدا من عدة خيارات لبناء الثروة، وليس نقطة البداية الإلزامية كما كان الحال لدى أجيال سابقة.


































